حيدر حب الله
18
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
الوجود ، فسوف نصل إلى فرض أنّ حقيقة الوجود لا ثاني لها ، ولا يمكن تصوّر ثانٍ لها ، فليس في الدار غير الله ديّار ، وهذا هو برهان الصدّيقين الصدرائي الذي انطلق من حقيقة الوجود لإثبات الباري تعالى ، وبنفس الطريقة وبمسافة قصيرة جداً إثبات توحيده ، لأنّ حقيقة الوجود تعني الوجوب والوحدانية عنده . ومن إطلاق الوجود ظهرت مشكلة المخلوقات ، فلو كان وجود الله مطلقاً فهذا يعني أنّ هذا العالم إمّا عدم محض كما قال بعض المتصوّفة ، وهو خلاف البديهة ، أو وجود ، وإذا كان وجوداً فإمّا هو الله ، وهذه هي وحدة الوجود والموجود معاً ، وإمّا غير الله ، وإذا كان العالم وجوداً غير الله فكيف يكون وجود الله مطلقاً حينئذٍ ؟ ! من هنا نشأت فكرة الوحدة في عين الكثرة والكثرة في عين الوحدة ، ليُقال بأنّ العالم عين الله وغيره ، وأنّ الفرق بينهما هو في الشدّة والضعف الوجوديّين ، فظهرت نظرية التشكيك الخاصّي الصدرائي التي تمثل العالم بأمواج البحر التي هي عين البحر وغيره في الوقت عينه دون أن يلزم تناقض أصلًا من وجهة نظرهم . ومن هنا أيضاً ظهرت فكرة التجلّي التي طرحها بقوّة ابن عربي ، وتبلورت مع المدرسة الصدرائيّة عبر تحليل فكرة المعلولية بأنّها ليست إلا الفقر الوجودي ، والفقرُ عدمٌ . وخلاصة القول : إنّ السير مع أصالة الوجود يوصلنا إلى وجود واجب الوجود ووحدانيّته الحقّة الحقيقيّة ، انطلاقاً من ذات الوجود ، فذات الوجود هي عين وجوبه وعين وحدانيّته وعدم تكرّره ولا تثنّيه ، أمّا على اصالة الماهية فإنّ وجود الواجب ووحدانيته إنّما يأتيان من خارجه ، لا أنّ ذات الوجود تجعل الوجوب ، ولا أنّ ذات الوجوب تفرض الوحدانية ضرورةً وقهراً .